![]()
لا تُخفي الصين استياءها من تصاعد شبح الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها في الوقت نفسه ليست في وارد، ولا في موقع يسمح لها، بأن تمدّ حليفها في طهران بطوق نجاة حقيقي. هذا التردّد في اتخاذ موقف حازم يعكس نهج بكين الحذر، ويعبّر عن استراتيجية أوسع ومدروسة تقوم على تجنّب التورّط في نزاعات أمنية إقليمية والامتناع عن الدخول في التزامات مُلزمة. والأهم من ذلك، أنه يسلّط الضوء على حقيقة اقتصادية صارخة: إيران بحاجة إلى الصين أكثر بكثير مما تحتاج الصين إيران.
وتُظهر بيانات التجارة هذا الخلل بوضوح. فمنذ عام 2019، تُعدّ الصين الوجهة الأولى لصادرات إيران، كما أصبحت منذ عام 2014 أكبر مصدر لوارداتها. ومع ذلك، لا تمثّل إيران سوى أقل من 1% من إجمالي تجارة الصين العالمية.


يقع النفط في صميم هذه العلاقة، حتى وإن جرى تداول جزء كبير منه بعيدًا عن القنوات الرسمية. فبحسب «مرصد النفوذ الصيني» التابع لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)، تراجعت واردات الصين الرسمية من الخام الإيراني إلى الصفر بعد إعادة فرض العقوبات الأميركية عام 2018. لكن على أرض الواقع، استمرت الشحنات.

ووفقًا لشركة «كلبلر» لتحليل البيانات، شكّل النفط الإيراني — الذي يُعاد تصنيفه في كثير من الأحيان على أنه ماليزي — نحو 13.4% من واردات الصين من النفط الخام المنقول بحرًا في عام 2025، أي ما يعادل نحو 1.38 مليون برميل يوميًا. وخلال هذا الشهر، أفادت كل من «كلبلر» وشركة تتبّع الشحنات «فورتكسا» بتراجع مشتريات الصين من النفط الإيراني مقارنة بشهر يناير، في وقت تتجه فيه بكين إلى زيادة اعتمادها على النفط الروسي.
وحتى في هذا المجال، تبقى العلاقة أقرب إلى المعاملات التجارية منها إلى الشراكة الاستراتيجية. إذ تُشترى هذه الشحنات في الغالب من قبل مصافٍ صينية مستقلة تُعرف باسم «مصافي إبريق الشاي» وتعمل بهوامش ربح ضيقة، لا من قبل الشركات الحكومية الصينية الكبرى. توفّر إيران النفط بأسعار مخفّضة، فيما توفّر الصين العائدات.
وفي عام 2021، اتفقت الدولتان على «شراكة استراتيجية شاملة» تمتد لـ 25 عامًا، وتتضمّن تصوّرًا لاستثمارات صينية قد تصل إلى 400 مليار دولار. غير أن التنفيذ يبدو حتى الآن محدودا.
كما ركّزت الصين برنامجها التنموي العالمي الرئيسي، «مبادرة الحزام والطريق»، في مناطق أخرى. فقد حظيت السعودية ومصر والإمارات والعراق بفوائد أكبر من هذه المبادرة مقارنة بإيران.


ويعزّز الموقف الدبلوماسي الأوسع لبكين هذا التسلسل في سلّم الأولويات. فقد نسجت الصين علاقات وثيقة مع دول الخليج، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تحتضن جالية صينية كبيرة. وفي العام الماضي، أعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي دعم بلاده العلني للموقف الإماراتي في نزاع مع إيران حول ثلاث جزر قرب مضيق هرمز، وهي خطوة أثارت استياء طهران.
وقد يُتغاضى عن هذا التوتّر الدبلوماسي إذا ما صدقت التقارير التي تداولتها وسائل إعلام هذا الأسبوع، والتي تشير إلى احتمال إتمام إيران قريبًا صفقة لاستيراد صواريخ صينية مضادة للسفن تفوق سرعتها سرعة الصوت. وحتى الآن، ظلت الصين مورّدًا متواضعًا نسبيًا للسلاح إلى إيران، رغم القلق الأميركي من احتمال زيادة هذه المبيعات حتى قبل الحديث عن صفقات صواريخ محتملة.
ومنحت وسائل الإعلام الرسمية الصينية تغطية بارزة لمناورات «إرادة السلام 2026» المشتركة التي أجرتها دول مجموعة «بريكس» في جنوب أفريقيا الشهر الماضي. لكنها في المقابل قلّلت من شأن المناورات العسكرية المشتركة التي نفذتها روسيا وإيران في خليج عُمان وشمال المحيط الهندي في 20 فبراير، متجنّبة بشكل لافت الإشارة إلى ما إذا كانت الصين قد شاركت فيها.
ولا تزال التوترات بين إيران وواشنطن في ذروتها، في ظل ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على طهران للتخلّي عن أي مساعٍ لامتلاك أسلحة نووية، مدعومًا بتعزيز مطّرد للوجود البحري الأميركي في الخليج.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا الأسبوع إن المفاوضين في جنيف باتوا قريبين من التوصّل إلى اتفاق. غير أن ترامب أكّد في خطابه عن حالة الاتحاد في 24 فبراير أن المحادثات لا تزال جارية، مشددًا على أن واشنطن لم تسمع بعد التزامًا إيرانيًا بالتخلّي الدائم عن السلاح النووي.
وكما هو الحال دائمًا، تفضّل الصين الإبقاء على الوضع القائم بدل الانزلاق إلى صراع مفتوح. فهي تُقدّر وصولها إلى الطاقة الإيرانية، لكنها في الوقت ذاته تحرص على تجنّب مخاطر العقوبات وعدم الاستقرار الإقليمي. أما إيران، التي تواجه عزلة متزايدة عن الأسواق الغربية، فتعتمد بدرجة أكبر بكثير على استعداد الصين للتعامل معها.
هذه المقالة مترجمة عن الإنجليزية