![]()

الإثنين 13 أبريل 2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
تنطلق في العاصمة الألمانية برلين، صباح اليوم الأربعاء، فعاليات المؤتمر الدولي الثالث لمناقشة القضية السودانية، من أجل حشد الدعم الدولي لجهود إحلال السلام وتوفير المساعدات الإنسانية والتخفيف من وطأة الأزمة المتصاعدة، بمشاركة 40 شخصية سياسية ومدنية، مع استبعاد أطراف النزاع السوداني.
وينعقد المؤتمر، الذي يستمر ليوم واحد، بالتزامن مع مرور ثلاثة أعوام على حرب 15 أبريل 2023م بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والقوات المساندة للطرفين، فيما فشلت كل محاولات التهدئة للوصول إلى حلول تنهي الحرب.
وصاحب الإعلان عن المؤتمر، الذي تنظمه كل من جمهورية ألمانيا الاتحادية، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، وفرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، حملة إعلامية مضادة وموجة غضب واسعة من حيث الدعوة ومعايير اختيار المشاركين. وبينما رحبت قوى سياسية ومدنية بانعقاده، واجه مقاومة وانتقادات لاذعة من قبل حكومتي “بورتسودان” و”نيالا”.
حكومة “تأسيس” لم تعترض على المؤتمر والقضايا التي سيناقشها بقدر ما انتقدت دعوة شخصيات اتهمتها بالمساهمة في تأجيج الحرب، واعتبرتهم ممثلين لـ”حكومة بورتسودان”، بينما سعت الحكومة في بورتسودان من قبل للحصول على دعوة من إدارة المؤتمر، بحسب تصريحات رئيس الوزراء. وحينما فشلت في ذلك، أعلنت المقاطعة وبدأت في حراك دبلوماسي موازٍ للمؤتمر عبر سفاراتها ومندوبيها في الخارج.
وأكد ذلك، لأول مرة، رئيس الوزراء د. كامل إدريس خلال حديثه إلى وفد من الصحفيين الأجانب الزائرين الخرطوم، يوم الخميس، بأنه حذّر وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول من تجاهل حكومته.
وأبلغ إدريس المسؤول الألماني بفشل نتائج المؤتمر مسبقاً، وذلك بقوله: “إذا لم يشمل مؤتمر برلين في 15 أبريل حكومة السودان، يمكنني أن أؤكد لكم، وبثقة تامة وبصراحة، أنه سيكون فشلاً تاماً”.
الحكومة “الحاضر الغائب”:
لكن المفكر والباحث الأكاديمي د. النور حمد يرى غير ذلك، معتبراً أن الضجة الإعلامية المصاحبة للمؤتمر من قبل “حكومة بورتسودان”، بحجة تغيبها عن المؤتمر واستبعادها من المشاركة، غير صحيحة، بدليل أن لديها ممثلين ينوبون عنها.
ويقول النور حمد لـ”راديو دبنقا” إن من بين هؤلاء القيادي الاتحادي محمد سيد أحمد الشهير بـ”الجاكومي”، والقيادي في الكتلة الديمقراطية مبارك أردول، ورئيس حزب الأمة مبارك الفاضل، إلى جانب شخصيات أخرى مثل المحامي نبيل أديب.
ويرى أن تحركات حكومة بورتسودان عبر سفيرتها في ألمانيا للاحتجاج على قيام المؤتمر دون مشاركة بلادها ما هي إلا “حملة إعلامية للتضليل”.
كما استنكر أيضاً الإعلان عن أن المؤتمر يمثل قطاعاً عريضاً من القوى المدنية السودانية، ولم يستبعد المحلل السياسي د. النور حمد أن يكون لـ”حكومة بورتسودان”، وفق تعبيره، اليد الطولى والدور المؤثر في تشكيل قائمة عضوية المشاركين، مرجحاً أن يكون ذلك بمعاونة من قوى إقليمية، لم يسمها، داعمة للإخوان المسلمين.
وربط ذلك بتجارب سابقة نشأت في دول أخرى مثل مصر، وتابع قائلاً: “هذه نفس الترتيبات السابقة التي نشأت في مصر، وكانت باستمرار تمضي ضد الثورة وإجهاض التحول المدني الديمقراطي”.
مفارقة خط الرباعية
وكان النور حمد يأمل في أن تمضي ترتيبات المؤتمر على خط الآلية الرباعية التي أعلنت عنها في سبتمبر العام الماضي، والتي دعت إلى إبعاد الإسلاميين وواجهاتهم والجيش، بل العسكر بشكل عام، عن السلطة والثروة.
وعبّر عن أسفه لأن هذه الشروط لم تتحقق في الواقع، مشيراً إلى أن الإخوان المسلمين ممثلون في مؤتمر برلين، وهم من كانوا يقفون في كل محاولات إجهاض التحول المدني الديمقراطي.
وتوقع الباحث الأكاديمي، وفقاً لهذه الحيثيات، ألا يحقق المؤتمر نتائج ملموسة أو يقود إلى تشكيل حكومة مدنية، بل رجّح أن يتجه نحو التصالح مع الإخوان المسلمين والقبول بهم كأمر واقع.
كما يرى استحالة نجاح أي دعوة لحشد الدعم وجمع التمويل من أجل العون الإنساني خلال المؤتمر، في ظل ما وصفه بسيطرة الإخوان المسلمين على السلطة، محذراً من أن المساعدات الإنسانية قد لا تصل إلى مستحقيها.
وحذر من أن “حكومة بورتسودان” ستتحكم في المنظمات وتضع أمامها العراقيل، كما لم يستبعد أن تتسرب مواد الإغاثة إلى الأسواق، مشيراً إلى أن هذه الأساليب مجربة خلال الـ37 عاماً الماضية من حكم جماعة الإخوان المسلمين.
وخلص المفكر والباحث الأكاديمي د. النور حمد إلى أن مؤتمر برلين لن يعدو أن يكون مجرد “فرقعة إعلامية”، مستبعداً أن يحدث أثراً حقيقياً في مجريات الأمور في الفترة المقبلة في السودان.
بين القبول والرفض
غير أن وزير الخارجية الأسبق، السفير الدكتور إبراهيم طه أيوب، يرى أن فكرة عقد مؤتمر برلين كانت بقرار من الاتحاد الأوروبي، الذي ضم الجهات الدولية الأخرى مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والمنظمة الحكومية للتنمية “إيقاد”، بالإضافة إلى المملكة المتحدة.
ويقول أيوب لـ”راديو دبنقا” إن ذلك يأتي من أجل تكثيف الجهود الدبلوماسية والدولية لحل الأزمة التي تعصف بالسودان ومواطنيه الأبرياء، الذين غدوا وقوداً لهذه الحرب دون أي ذنب جنوه.
ويشير إلى أن هذا التجمع للذين يرفضون الحرب وينادون بإيقافها يمثل الفرصة الأخيرة لعودة السلام إلى بلادهم، فيما يرى الفريق الذي ينادي باستمرارها خدمةً لمصالحه تدخلاً سافراً في شؤون بلادهم، بل يعتبرونه نوعاً جديداً من الاستعمار والهيمنة الغربية من أجل العودة للسيطرة على السلطة والقضاء على الوجود الإسلامي في البلاد.
ولفت السفير أيوب إلى أنه من المهم الدعوة إلى أن تتكلل جهود ملتقى برلين بالاتفاق على تسوية سياسية مقبولة لدى الأطراف الضالعة في النزاع، ولا بد من التأكيد على ألا منتصر فيه، بمعنى أن تتوافق الآراء بين مؤيدي مؤتمر برلين والواقفين ضده على مبادئ محددة تستند إلى سيادة السودان وصون حقوق الجماهير، والاتفاق على شكل الحكم في الفترة الانتقالية.
بيد أنه حذر من أن المخاطر التي يتحسب لها المجتمع الدولي تتعلق بانتقال النزاع إلى دول الجوار ومنطقة البحر الأحمر.
القضايا الإنسانية
ويشير الوزير السابق السفير د. إبراهيم طه أيوب إلى أن من القضايا الضرورية والملحة، الآنية والمستقبلية، ضرورة تكثيف دعم الجهود الإنسانية وإيصال المساعدات الغذائية وخلق بيئة آمنة للنازحين واللاجئين الذين يعيشون في المعسكرات أو في العراء.
كما يعتقد أن وجود هذه المنظمات يمثل علامة واضحة على استخدام الدبلوماسية الناعمة والخشنة في آن واحد، بما يسهم بقدر كبير في إخراج مؤتمر برلين، كما أرادته الدولة المضيفة وأصدقاء السودان، بنتائج إيجابية تخرس أصوات المنادين بالحرب داخلياً والساعين إلى إفشال المؤتمر بـ”الطرق الغوغائية” المرتبطة بمستواهم السياسي والتنظيمي.
ويقول: “نجد في عضوية الأجهزة الخمس الداعية لتجمع برلين الدول المكونة للآلية الرباعية، ويمكن القول بالتالي إن المبادئ المتضمنة في بيان الرباعية في سبتمبر قبل الماضي تخدم أجندة الآلية، بل ربما تتعداها إلى ما هو أبعد منها”.
بينما يرى الوزير السابق في الخارجية السودانية أن “حكومة الأمر الواقع” تقف ضد اجتماع برلين لأن الدول الداعية له أغفلت، عن قصد، دعوتها للمشاركة فيه، ويقول: “وهي بالتالي تناهضه وتقف ضده، بل نسمع أن منسوبي الجماعات الإسلامية، وبإيعاز منها، يقومون بحملات جماهيرية ضده”.
ويضيف أيوب: إن الأمر الذي يغفله دعاة استمرار الحرب هو أن هذا التجمع يُقصد به دعاة السلام، أما القوى المحاربة التي تحمل السلاح وتدخل الرعب في نفوس العامة فلم يُدعَ منها أحد، لأن المؤتمر قصد منه فرزهم وإبعادهم من العملية السلمية.
ترحيب وتحفظ
من جهته، رحب السفير الدكتور الشفيع أحمد محمد بانعقاد مؤتمر برلين، مع إبداء بعض التحفظات. ويرى، من ناحية مبدئية، أن أي تحرك دولي لمعالجة أي قضايا إنسانية أو نزاعات مسلحة يستحق الترحيب من جميع الأطراف المتأثرة والمشاركة، ويجب أن يُفسح له المجال شريطة أن يكون مخلصاً وجاداً.
ويقول السفير د. الشفيع في حديثه لـ”راديو دبنقا” إن مؤتمر برلين قد يتشعب وقد يقود إلى التباس في التقييم، ويرى أن أي شخص يعلّق على المؤتمر بالضرورة منحاز إلى أحد الأطراف، موضحاً أن هذه المواقف المختلفة تفرض ضرورة النظر إلى المؤتمر بمنظار موضوعي يعكس حقيقته، ويشير إلى أن بناء أي آمال يجب أن يستند إلى وقائع.
غير أنه أبدى تحفظه على المؤتمر، واصفاً الدول الراعية بأنها غير جادة في حل الأزمة السودانية، لافتاً إلى أن هذه الدول نفسها ظلت ممسكة بالملف السوداني منذ ما قبل تغيير النظام السابق.
ويشير السفير د. الشفيع إلى أن دولاً مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، سواء كانت تحركاتها عبر الآلية الرباعية أو في إطار الأنشطة الأخرى الكثيرة، كانت ممسكة بالملف السوداني.
إلا أن الأزمة، كما يرى، ظلت تأخذ مستويات من التعقيد من شكل إلى آخر حتى أوصلته إلى مرحلة الحرب، وبعدها حدثت كل هذه المعاناة، وهي ممسكة بهذا الملف بعد الحرب دون تحقيق تقدم ملموس في الحل، مع علمها بمن أشعل الحرب ومن يمولها، وتصر على أن يتم تقديمه كجزء من العلاج.
مأساة إنسانية
ولفت د. الشفيع إلى أن المأساة الإنسانية وصلت إلى ذروتها في مناطق كثيرة في السودان، خاصة في إقليم دارفور ومدينة الفاشر على وجه التحديد، وبلغت مستويات خطيرة، رغم صدور قرار مجلس الأمن بفك الحصار وإدخال المساعدات الإنسانية للمحاصرين لأكثر من عام ونصف، دون أن يتم تنفيذها على أرض الواقع، بل لعبت تلك الدول دور المتفرج.
ويعتقد أن الدول الراعية للمؤتمر لديها أجندة معينة تريد فرضها على السودان، وتسعى لإدارة الملف وحل الأزمة بالطريقة التي تتوافق مع سياساتها، حتى ولو أدى ذلك إلى تعقيد الأزمة إلى أسوأ درجة، ويقول إن بعض هذه الدول، وليس كلها، غير معنية بالشأن الإنساني.
ويرى السفير الشفيع أن هذا المسعى يهدف إلى إحداث تحولات تراكمية في اتجاه الأجندة التي تخدم مصالحهم، كما حدث في مؤتمرات لندن وباريس وأمريكا، معتبراً أن الدعوات لمعالجة الأزمة الإنسانية ما هي إلا شعارات ولافتات مرفوعة، لكن من تحتها أجندات تحمل أفكاراً، أحياناً تكون ظلامية، ما قاد الشعوب إلى العنف.
ويقول إن التحركات الدولية من أجل حشد الدعم والتمويل لم تحقق نتائج ملموسة، متسائلاً عن مصير التعهدات المالية والمساعدات الإنسانية التي أُعلن عنها في تلك المؤتمرات، ويضيف بأن الإغاثة لم تصل إلى محتاجيها.
واستبعد السفير الشفيع أن يخرج المؤتمر بنتائج إيجابية، منتقداً مناقشة قضايا السودان دون مشاركة ممثليه، ويرى أن تغيبه يعني أن الدول المنظمة لديها هدف تريد الوصول إليه.
The post برلين.. جدل “الحضور والغياب”، خلافات تمثيل المدنيين واستبعاد المتقاتلين appeared first on Dabanga Radio TV Online.